عبد الرحمن بدوي
101
أرسطو عند العرب
صورتها فيه . فإذا لم يفعل ذلك كان إعراض صرف عنها ، مثل الإنسان يكون في يده شئ ولا ينظر فيه بعينه ؛ فإذا نظر فيه بعينه حصل في عينه صورة ما في يده ، فأدركه . وأما الشئ البسيط الذي لا أجزاء له وإنما يقبل الصورة في صريح ذاته الواحدة ، فلا يجوز أن تتقرر فيه تلك الصور وهو معرض عنها ، كما لا يجوز أن يتقرر في البصر أو في الخيال صورة شئ محسوس وهو معرض عنه ؛ وأما الصورة المخزونة في الخيال وقد أعرض عنها ، فلأن مستعرضها قوة أخرى غير الخازن - يعلم ذلك من العلوم المحققة . وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون في النفس صور معقولات وهي منسية معرض عنها ؛ فإذا حال ما تجهل النفس شيئا فهي خالية عنه أصلا ، وليست موجودة فيه بالفعل . ثم يقول : « فلذلك صار بالواجب ليس مخالطا للبدن » ، أي ولأجل كونه أمرا ليس فيه صورة شئ من المعقولات وهو بالقوة جميعا ، لا لأنه لا شئ ولا موجود ؛ فإن لا شئ ولا موجود ، لا يعلل كونه غير مخالط : إنما يقال هذا الموجود ، وإنما يعلل هذا في الموجود ، فيقول : ولكونه بهذه الصفة هو غير مخالط ، ولو كان مخالطا لكان يصير بسببه بحال مثل أن يكون مخالطا بحر أو برد . وأيضا لو كان مخالطا لاختص بآلة يستعملها وحدها كما للحاسّ ، لكن ليس له شئ من ذلك ؛ وتبيّن لم ذلك عن قريب . فصح من جملة كلامه أنه يرى أن هذه القوة والنفس التي لها هذه القوة غير مخالط ، وأنه بريء عن المادة ، ليس حين يعقل فقط ، بل قبل ذلك . وقد بيّنا أنه ليس قبل ذلك غير مخالط ، لأنه معدوم ، بل لأنه موجود له صفة وحال لا يصلح لمن له تلك الصفة والحال أن يخالط . فما أدرى كيف جوّز الإسكندر أن ينسب إلى هذا الرجل أنه يقول إن العقل الهيولاني ، وهو هذه القوة الاستعدادية ، هيولانية مادية ؛ وأن النفس التي لها هذه القوة هيولانية مادية ! ( ا ) أي : تنزيهنا « 1 » قبول الحسّ للصور عن أن يكون انفعالا وإيجابنا أن نسمى ذلك استكمالا ، ليس في الحس والعقل سواء . فإن الحسّ ينفعل أيضا عن المحسوسات مع الشئ الذي ليس انفعالا ، وهو قبول الصور ضربا من الانفعال يصير له بحال مانعة إياه عن الاستكمال . قال : وذلك لأن الحسّ لا يقدر أن يحس عن محسوس قوى - أي بعد محسوس قوى ، ويجوز أن يعنى ليس يحس أصلا ، لأن المحسوس القوى يجعله كالّا لا يحس بشيء : لا بذلك القوىّ ، ولا بما
--> ( 1 ) ن : ننزيننا .